عبد القاهر بن طاهر البغدادي
131
الملل والنحل
تغير تغيرا قبيحا لاستحق بذلك قسطين من العذاب : أحدهما للقبيح الذي فعله ، والثاني للحسن الذي لم يفعله ، وانه لو تغير تغيرا حسنا ، وفعل من مثل افعال الأنبياء عليهم السلام ، وكان اللّه قد امره بشيء فلم يفعله ، ولا فعل ضده ، كان مخلدا في النار . والزمه أصحابنا في الحدود مثل قوله في القسطين ، حتى يكون عليه حدان : أحدهما للزنا ، والثاني لما يفعله من ترك الزنا . وكذلك القول في حد القذف وشرب الخمر والقصاص . والزموه كفارتين عن الفطر في شهر رمضان / بالجماع : أحدهما بفطره والثانية بان ما وجب عليه من الصوم . فلما توجه عليه هذا الالزام ارتكب ما هو أشنع منه ، فقال : انما نهي عن الزنا والشرب والقذف ، فاما ترك هذه الأفعال فغير واجب عليه . والزموه القول بثلاثة أقساط وأكثر إلى ما لا نهاية له ، أثبت قسطين فيما هو متولد عنه ، قسطا لأنه لم يفعل السبب . وقد وجدنا من المتولدات ما يتولد عن أسباب كثيرة يتقدمه ، كالإصابة المتولدة عن حركات كثيرة يفعلها في السهم عنده ، فكل حركة سبب لما يليها ، إلى العاشر ثم العاشر سبب للإصابة . فيجب على أصله إذا امره اللّه تعالى بالإصابة فلم يفعل ، أحد عشر قسطا : عشرة لأنه لم يفعل تلك الحركات ، وواحد لأنه لم يفعل الإصابة . - ومن أصله انه إذا كان / مأمورا بالكلام فلم يفعل ، استحق قسطين ، ( قسطا ) « 1 » لأنه لم يفعل الكلام ، وقسطا لأنه لم يفعل سبب الكلام ، ولو أنه فعل ضد سبب الكلام لا يستحق قسطين ، وقام هذا عنده مقام السبب الذي لم يفعله . - فيقال له : هلا استحق ثلاثة أقساط : قسطا لأنه لم يفعل الكلام ؟ وذكر بعض أصحابنا انه كان لا يثبت القسطين الا في ترك سبب الكلام وحده . وقد نص في كتاب : « استحقاق الذم » على خلافه ، فقال كلاما نزل مخصوص محكمه حكم سبب العطية الواجبة كالزكاة والكفارة ، وقضاء الدين ، ورد المظالم . وأراد بهذا ان الزكاة والكفارة وأمثالهما لا يقع بجارحة مخصوصة ، ولا له ترك واحد مخصوص ، بل لو صلى أو حج ، كان ذلك تركا للزكاة ، وللكلام سبب ، وتركه مخصوص ، فكان / تركه قبيحا . فإذا فعل ترك سبب الكلام
--> ( 1 ) لا بد من إضافة لفظ : « قسطا » .